قِصَّةُ عَرْشِ بَلْقِيْس

قِصَّةُ عَرْشِ بَلْقِيْس
(وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ)
هي قصةُ إيمان وحكمة ومودة بين نبي الله سليمان(ع) وامرأة رفيعة الشأن كانت تعبد الشمس من دون الله ثم اهتدت إلى الحق بسبب ما رأت من أخلاقٍ نبوية عالية وبعض الكرامات التي اختُص بها سليمان سلام الله عليه وعلى نبيّنا وآله الأطهار.
وهي من القصص القرآنية الشيّقة التي يجب الغوص في أبعادها، والدخول إلى بعض تفاصيلها حتى ندرك تلك العظمة الدالة على قدرة الله سبحانه وتعالى.
وبلقيسُ امرأةٌ ذكيةٌ كانت ملِكةَ سبأ، ولسبأ تاريخٌ عريقٌ يعودُ إلى ألف سنةٍ قبل الميلاد، وهي من أكبر قبائل اليمن، فهي دولةٌ قويةٌ وجميلةٌ ومزدهرةٌ بمبانيها وحدائقِها وكثيرٍ من الفنون التي ظهرتْ فيها، وقد حدّثنا القرآن الكريم عنها حيث وصفها الله بقوله(لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ) ولنا وقفة خاصة حول قضية هاتين الجنتين إن شاء الله، فإن لهما قصةً رائعة.
أما قصة عرش بلقيس فهي من القصص الشيّقة التي تُظهر لنا مدى ملك نبي الله سليمان الذي وهبه ربه ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وهي تشتمل على أكثر من قصة في وقت واحد قد جمعتُها تحت عنوان واحد لتكون الفائدة أفضل.
تبدأ هذه القصة بالخبر الذي حمله الهدهد إلى سليمان، وتنتهي بإيمان أهل سبأ وملِكتهم بلقيس، ولا يمكن الوصول إلى النتيجة المطلوبة من قصتنا إلا بذكر كل ما يتعلق بها حتى نفهم ما حدث لعرشها بشكل صحيح لأنه موضوع قصتنا هنا، ولا تتوقف القصة عند ذاك العرش ككرسي جميل، بل تتعدى إلى مانتج عن ذلك العرش من كرامات وهداية.
كان لنبي الله سليمان(ع) طيرُ هدهد يعتمد عليه في التقصي عن العديد من الأمور، وقد علّمه الله سبحانه منطق الطير، وهذا معجزة أجراها الله تعالى لنبيّه سليمان، وكان هذا الهدهد كثير اللهو والعَبَث.
وفي يوم من الأيام راح نبي الله سليمان يتفقد الطيور فلم يجد الهدهد فيها وقد غاب عنه فترة لا بأس بها، فظنّ سليمان بأنّ الهدهد يلهو كعادته فتوعّده بالتعذيب إن لم يأته بخبرٍ ذي قيمة وفائدة.
وبعد فترة عاد الهدهد إلى قصر سليمان(ع) الذي سأله عن سبب غيابه الطويل(فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ)
لقد أراد أن ينجو من العذاب فبادر نبيَّ الله سليمان بما أحاط به من معلومات فأخبره بأنه ذهب إلى مملكة سبأ ووجد فيها امرأة قوية تحكمهم وأمرُها مطاعٌ في قومها، وأنهم يملكون العدّة والعتاد والمال الكثير وجميع مقومات الدولة القوية، ثم أخبره بجمال عرشها الذي لم ير مثله في حياته، ولكنهم رغم ازدهارهم وتطورهم غير أنهم يعبدون الشمس من دون الله تعال(إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ)
ظنّ سليمان بأن الهدهد يكذب عليه حتى ينجو من العقاب، فقال له سوف نرى إن كنت كاذباً أم كنتَ من الصادقين، واستبقاه حتى يكلفه بمهمة، فكتب سليمان كتاباً ابتدأه ببسم الله الرحمن الرحيم ودعا فيه ملكة سبأ وقومها إلى الإيمان بالله الواحد الأحد، وإلا فسوف يدخل مدينة سبأ ويقاتلهم ويهزمهم بجيشه الجرار، وكان جميع الملوك يخشون سليمان ابن داود حيث لم يملك أحد جيشاً كجيشه ولا عتاداً كعتاده.
سلّم الكتاب إلى الهدهد وأمره أن يذهب إلى قاعة الملكة بلقيس ويلقي لها بهذا الكتاب ليرى ما سوف يكون ردُّها، وأمره أن يحرص على إيصال الكتاب إليها شخصياً بأية طريقة كيلا يقع في يد غيرها وتفشل الخطة.
(اذْهَب بِّكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ)
توجّه الهدهد مسرعاً إلى مدينة سبأ حاملاً معه الرسالة، فوصل إلى نافذة غرفة نوم بلقيس، ورمى الكتاب إليها فوقع بين يديها، ففتحته وقرأت ما كُتب فيه، فشعرت بأنّ الخطر بات يتهدد مملكتها وأنه قاب قوسين أو أدنى، فدعَتْ مستشاريها وقادة جيوشها إلى اجتماع طارئ وعرضت محتوى كتاب سليمان عليهم حيث تعوَّدت أن لا تقطع أمراً إلا بعد المشاورة والدراسة مِن قِبَل أهل التخصص في مملكتها.
(قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ)
ثم وصفت كتاب سليمان بالكريم.
(قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ* إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ).
ولعلها فهمَت فحوى الرسالة وأنّ سليمان يدعوها وقومها إلى الإيمان بالرحمن الرحيم.
وقيل في معنى وصف كتاب سليمان بالكريم أنه مختوم، حيث كان يُطلق على الرسائل الممهورة بالكريمة، وقيل إنه كريم لحُسن خطه وبيانه، وقيل غير ذلك، ومهما قيل فهو كريمٌ بكل المقاييس.
وعندما سمع القوم باسم سليمان(ع) ارتجفوا خوفاً من قوّته وفَزَعاً من هيبته ومدى سلطته وحجم نفوذه، إلا الذين لم يعرفوه فكان لهم رأيٌ آخر، وهناك تضاربتْ الآراء، فالذين يعرفون سليمان ويخشون قوّته عرضوا عليها فكرة الإستسلام، والذين لا يعرفون مَن هو هذا الملِك العظيم أشاروا عليها بالمواجهة العسكرية.
(قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ).
رفضت الملكة بلقيس الفكرتين معاً، فلا قتال ولا استسلام، بل هناك خطة عرضَتْ لها علّها تنجح بها إن نفّذتها لأنها تعرف من يكون سليمان، فقد سمعت عن قوته التي لا تُضاهى، وعن مُلكِه الذي لا يوصف، وبما أنّ قرار الفصل يعود إليها فقد اقترحت أن ترسل لسليمان بهدية تليق بمقامه الرفيع علّه يرجع عن قراره في غزو بلادهم(وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ)
جهّزوا أجمل وأثمن ما عندهم من الهدايا النفيسة وأرسلوها إلى سليمان وراحوا ينتظرون عودة الرسل ليعرفوا الخبر، ولا شك بأن تلك الأيام كانت صعبة عليهم لأن الخبر الذي سيرجع به الرسل يحدد لهم المستقبل، وكانوا ينتظرون عودة الرسل على أحرّ من الجمر.
انتشر خبر الحرب في قوم سبأ التي تحولت بساعة واحدة من دولة عظمى إلى دولة لا حولَ لها ولا قوة رغم امتلاكها لجيشٍ جرّار وأسلحة فتاكة وأموالٍ طائلة، ولا قيمة لكل ذلك أمام قوة سليمان(ع).
وصل رسل بلقيس إلى قصر نبي الله سليمان، وشعروا بوهن هداياهم أمام العظمة التي شاهدوها وأن تلك الهدايا لا تساوي ذرة في ملك سليمان، فوضعوا تلك الهدايا بين يديه وهو ينظر إلى صناديقهم باستصغار وربما باحتقار مع أنها مملوءة بالذهب والجواهر النادرة، فأدرك بأنها لعبةٌ من ألاعيب بلقيس حيث يُدرك كيف يتصرف أي ملِك عندما يحيط به الخطر، وكان يعلم بضعفها قبل أن يلتقي بها أو برسلها، فرفض أن يستلم هداياها وأمر الرسل بإرجاعها إليها وحمّلهم رسالةً غليظة اللهجة حيث توّعد بلقيس وجيشها بضربة موجعة وقاضية(فَلَمَّا جَاء سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ * ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ)
رجع الرسل إلى سبأ خائبين، ولما رأوا الهدايا قد رُدّت إليهم علموا بأنَّ سليمان رفضها وأنه مصممٌ على القتال، وهناك ازداد خوفهم وظنوا أنهم أُحيط بهم.
وعندما رأت بلقيس ما حدث لمملكتها فكّرت بإنهاء الوضع عبر طريقة أخرى علّها تؤثّر على رأي سليمان فقررت أن تذهب إليه بنفسها لتحل تلك المشكلة وترى ماذا يريد منها سليمان ومن شعبها حيث لم يبق لها سوى هذا الخَيار أو الحرب التي ليست لمصلحتها، وفي ذات الوقت أرادت أن تكتشف بنفسها قوة سليمان الذي انتشر خبره بين الملوك في كافة أنحاء الأرض.
ولم يوافق على رأيها أغلبية وزرائها، ولكنهم مضطرون للقَبول حيث لم يبق أمامهم غير هذا الخَيار، أما بلقيس فقد رأت الصواب في رأيها فقررت الذهاب إليه بنفسها، وأصرَّت على رأيها في تلك المرة حيث شعرت بأنه الحل المناسب لتلك الأزمة التي أحاطت بها وبقومها، وقد حلّلت شخصية سليمان من خلال رسالته وأدركت بأنه لا يريد شيئاً لنفسه كباقي الملوك الذين لا يشبعون، أما سليمان فإنه يدعوهم إلى الإيمان بربه، وهذه نقطة إيجابية تبشّر بالخير.
فمن فورها قرّرت أن تذهب إليه بنفسها لتضرب عصفورين بحجرٍ واحد، تستعطف سليمان، وترى حجم قوّته في نفس الوقت، وقد رافقها في رحلتها بعض قادة جيشها لاستقصاء الأمر، وقد باؤوا بالفشل وشعروا بضعفهم لحظة وصولهم إلى مملكة سليمان التي لم يروا مثلها من قبل فعدلوا من فورهم عن فكرة الحرب الخاسرة، حيث أدركوا بأنه لا يقدر جيشٌ في هذا العالَم أن يواجه قوة سليمان عسكرياً.
ولم تكن خطتها هذه بعيدةً عن ذهن سليمان المتصل بالوحي الإلهي، ولم يكن يطمع في الإستيلاء على مملكتهم التي لن تزيد شيئاً في ملكه، بل كان هدفه أن يدفع بهم نحو ترك عبادة الشمس وأن يعبدوا الله ربَّه وربهم.
فأراد أن يُثبت لها ولقومها مدى قوّته التي استمدها من قوة رب العالمين سبحانه، فسأل الجنَّ مَن منكم يستطيع أن يأتيني بعرش بلقيس في أسرع وقتٍ ممكن، ولعلّ هذا الطلب قد حصل قبل وصول بلقيس إلى قصره بفترة وجيزة.
(قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ)
ولعله كان يعلم بأنّ بلقيس سوف تأتي وتُسلم حيث لا مفرّ لها ولا لقومها من هذا الأمر عندما يروا ما سوف يرونه عنده.
(قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ)
ولعلّ المراد بقوله(قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ) يعني قبل أن تُنهي مجلسك الذي ربما يستغرق ساعة من الوقت، أو لعل المراد قبل أن تقف من جلوسك، يعني في غضون ثانية واحدة، وهناك حصلت منافسة بين ذلك العفريت القوي الذي يستطيع أن يأتي بعرش بلقيس في غضون ثانية، وبين شخصٍ عنده عِلم الكتاب، وتدل الروايات على كون الذي عنده عِلمٌ من الكتاب هو من الإنس وليس من الجن، وقيل هو الخضر(ع) وقيل غيره، وقيل هو نفس نبي الله سليمان، وأياً يكن الأمر فقد استطاع الذي عنده علمٌ من الكتاب أن يربح المنافسة بعدما أتى بالعرش في رمشة عين أو التقاط نفس، وهذا ما أشار إليه الله عز وجل بقوله(قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ)
وفي تلك الأثناء فرح سليمان كثيراً وشكر ربه على نِعَمه الكبرى وعلى تلك القدرة التي وهبه إياها، وأنَّ ذلك امتحان لسليمان، أيشكر أم يكفر، ولكنه كان من الشاكرين.
وعندها طلب سليمان منهم أن يُحدثوا بعض التغييرات على عرش بلقيس ليرى إن كانت ستلاحظه أم لا، ولعله يريد اختبارها في ذلك لغايةٍ في نفسه.
نُقل عرش بلقيس العظيم من سبأ إلى قصر سليمان برمشة عين، وأمرهم بأن ينكّروا لها عرشها ليختبر ذكاءها وليكون ذلك عبرة لها علّها تهتدي إلى الحق بعد أن ترى قدرة الله سبحانه.
(قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ)
وكان عنده شعورٌ شبه مؤكَّد أنها ستؤمن بالله فور أن تصل وترى تلك العجائب الهندسية التي لم يصل إليها أحد من الناس عبر الزمن، وبالخصوص عندما ترى عرشها مستقراً في قصر سليمان.
وما كان أكثر عجباً من تلك الزخارف هو كلامه العذب وأسلوبه الرائع في التخاطب مع الآخرين وحسن استقباله وكرم ضيافته.
وصلت بلقيس مع الوفد المرافق لها وقد أُدخلت إلى القاعة التي وُضع فيها عرشها، فاستقبلها نبي الله سليمان الذي أحسن استقبالها، وقد رأت من حسن أخلاقه ما يحيّر العقول، فلو أنّ غيره من ملوك الأرض حصلوا على ذرة من ملكه لبغَوا في الأرض واستكبروا، أما سليمان فإنه رغم عظمته فهو إنسان متواضع وسَمْحُ الأخلاق.
لاحظ سليمان(ع) أنّ بلقيس تطيل النظر إلى العرش فسألها(فَلَمَّا جَاءتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ) فلم تجزم بأنه هو حيث لم تظن للحظة أنَّ أحداً في العالم يستطيع نقل عرشها بسبب وزنه الكبير وبُعده عن مكان سليمان، فلو أرادوا نقله من هناك إلى هنا لاستغرق الأمر معهم شهوراً، وهناك علمت بأنه عرشها وأدركت مدى القوة التي يتمتع بها سليمان(ع).
وهذا الحدث لوحده كفيلٌ بإقناعها أنّ سليمان قد دعاها إلى الهدى، ولم يكتف سليمان بذلك بل أراد أن يُطلعها أكثر على قدرة الله الذي يدعوها وقومها إلى عبادته فأدخلها إلى الصرح الممرَّد فكشفت عن ساقيها حيث ظنّت بأنه بركة مياه فأخبرها سليمان بأنه صَرْحٌ ممرّد وليس ماءاً، وهناك كشف الله الظلمات عن قلبها فآمنت بالله ورسله وأمرت قومها بالإيمان وقد صدّقوها بعد أن حكت لهم ما رأت من العجائب بأم عينها(قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)
وما رأته من عجائب الهندسة والإعمار لدى دخولها القصر يوحي بأنه ليس من صنع البشر العاديين، وكانت تظن وقومها بأنهم أهل هندسة معمارية لا مثيل لها، ولكنهم عندما نظروا إلى النقوش والنحوت في تلك القوارير المزخرفة والتماثيل المذهّبة وما إلى ما هنالك مما يفوق التصوُّر أدركوا مدى العظمة التي عليها سليمان الملِك وسليمان النبي(ع).
الشيخ علي فقيه



